رغم الانتكاسات الحالية الكبيرة لحركة التحرر والتحرير والحرية للشعب الفلسطيني في أيامنا في الوطن وفي الشتات بفعل الأداء السقيم للطبقة السياسية الفلسطينية الرسمية سلطةً ومعارضة، تتقدم السواعد الشابة لرفد الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني بماء الحياة فها هي تنتفض اليوم لنصرة مسيرات العودة في غزة العزة كما انتفضت في الأمس لنصرة مخيم اليرموك الشهيد. شباب فلسطين يبتدعون أدواتهم الجديدة لتجديد شرايين الحياة التي تصلبت وتجمد سريان الدماء فيها وذلك بدءاً من مظاهرات الشوارع الصاخبة وصولاً لتخطيطٍ بعيد المدى لإعلان فشل المشروع الصهيوني برمته، فليست مدن وقرى نابلس والخليل والقدس ورام الله هي فقط ما يهددها الاستيطان الزاحف، بل مدن الداخل الفلسطيني وقراه وجليله ونقبه أيضاً. وحدة المصير الفلسطيني حقيقة ناصعة ووحدة النضالات تتجلى في هذا المشروع: “الحجر الفلسطيني الناطق“ باسم تراث فلسطين المعماري، حجراً في بناء مداميك الوطن والذاكرة الجماعية عن نكبة لا تزال متواصلة، وحجراً لقذف قوى الاحتلال والعنصرية الإسرائيلية. مشروع إنشاء “جناح فلسطيني” في هذه التظاهرة العالمية في فن العمارة يكتسب أهمية كبيرة في ضوء غياب مشاركة فلسطينية فيما تقوم دولة الأبارتهايد بسرقة تراثنا المعماري في “الحرم الإبراهيمي” في الخليل لتزيين جناحها في هذا المعرض (البيينال) وذلك بوقاحة منقطعة النظير.

وهكذا، تضافرت جهود مجموعة شبابية فلسطينية من حيفا وعكا والناصرة لبلورة مشروع هذه المشاركة في هذا المعرض والذي يشهد إقبالا عالمياً منقطع النظير من حيث عدد زواره. إلى جانب هذه المجموعة الشبابية وتعبيراً عن وحدة المصير الفلسطيني، يشارك عدد من فلسطينيي الشتات في هذا المشروع جنباً إلى جنب مع أصدقاء فلسطين من فرنسيين وإيطاليين من ذوي الخبرات الجامعية والمهنية في الفنون عموماً وفي فن العمارة تحديداً.

إن الجهود المشتركة لإنجاح هذا المشروع وإن نجحت في توفير الحيز المكاني لقيام الجناح الفلسطيني مجاناً وهو في العادة مرتفع التكلفة، بفضلِ أحد العارضين الإيطاليين وذلك باسم تضامنه مع الحق الفلسطيني المسلوب، لا يزال المشروع حتى اللحظة رهينة الحصول على مساعدة مالية متواضعة لتغطية نفقاته، فنجاح المشروع سوف يشكل تحديّاً للرواية الصهيونية والتي جعلت من الحرم الإبراهيمي معلماً معمارياً إسرائيلياً.

مشروع الحجر الناطق – Acre-Akka: Talking Stone

مشروع هذا المعرض يستهدف إعادة كتابة ذاكرة ‏المكان الفلسطيني في مدينة عكا، هذا المكان الذي لا ‏يزالُ مُستهدفاً إلى اليوم في محاولات تغيير ملامحه ونفي، ‏هويته وذلك أمام الجمهور الإيطالي والدولي الزائر ‏لمعرض “البيينال الدولي في فن العمارة” في ‏مدينة ‏البندقية ــ فينيسيا. فكرة المعرض تبلورت بفضل ‏المشاركة الفعالة لعدد من الناشطين والمهندسين ‏المعماريين والفنيين ‏الإيطاليين والفرنسيين.

‏ الهدف المركزي من المعرض (الجناح، الأستوديو) هو القيام بعملية إحياء الخطاب ‏الفلسطيني بخصوص الوطن والمكان المسلوب من ‏خلال عرض ‏خصائصه المعمارية والجمالية ‏والتاريخية وذلك عبر اتخاذ مدينة “عكا” نموذجاً ‏حيّاً ومُعبراً عما تعرضت له فلسطين ‏بمختلف ‏مناطقها، ‏وعرضُ هذا الخطاب كهدف أول ‏لهذا ‏المشروع يهدف بدوره إلى تحقيق هدفين متوازيين:‏

‎‎ الأول يتعلق بالمستوى الفلسطيني وذلك ‏لتعزيز الذاكرة الجماعية لسكان المدينة وللشعب ‏الفلسطيني عموماً حول هوية ‏المدينة كغيرها من المدن السليبة ضد خطاب ‏‏”الأسرلة” الكولونيالي ـ الإحلالي‏. ‏

‏‏والثاني يتعلق بالمستوى الدولي وذلك عبر ‏التعريف بهذا الخطاب وتجسيده مادياً وبشكل ‏ملموس وذلك لتقريبه للفهم أمام ‏جمهور كبير ‏ومتنوع من الزوار إلى “البيينال الدولي لفن ‏العمارة“. وهكذا، سوف يجري العمل على ‏ نزع “الوعي الغربي” الزائف الذي بثته آلة حرب دعائية صهيونية ‏متنفذة، ‏وهذا يمكن أن يتم من خلال تفكيك الخطاب الكولونيالي الصهيوني حول ملكيته للمكان الفلسطيني ‏وذلك ‏أمام زائر أوروبي ودولي ‏متأثر ‏بالخطاب الصهيوني حول هذا ‏المكان ‏الفلسطيني وتراثه المعماري وثقافته وفنونه وأزياء أهله الأصليين ومطبخه ‏وأكلاته ‏الشعبية. ‏

وأخيراً وبعد الحصول على الدعم المطلوب لإنجاح هذه المبادرة الحميدة على امتداد عشرة أيام في نهاية شهر آب (أغسطس)، سوف يحاول فريق المشروع العمل على ‏البقاء لقترة زمنية أطول في البندقية لإدامة عمر المعرض وصولاً لفترة بدء ‏مهرجان المونسترا للسينما في فينيسيا والذي يبدأ في مطلع شهر أيلول (سبتمبر).

التحدي الآخر أمام المشروع سوف يتمثلُ بالعملِ على توفير القدرة على العودة مع المواد المُستخدمة في المعرض لعرضها ‏أمام جمهور فلسطيني في الوطن وفي مخيمات الشتات في الأردن ولبنان وسوريا إن أمكن والاحتفاظ بها لاستخدامات قادمة.